أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

336

العمدة في صناعة الشعر ونقده

وشمالا ، فقلت : لقد بلغ منك « 1 » الحرّ مبلغا شديدا ، قال : لا ، ولكن غيره ، فمكث « 2 » كذلك ساعة ، ثم قام كأنما أطلق من عقال ، وقال « 3 » : الآن « 4 » ، الآن ، ثم استمدّ ، وكتب شيئا لا أعرفه ، ثم قال : أتدري ما كنت فيه « 5 » ، قلت : كلا ، قال : قول أبى نواس « 6 » : [ الكامل ] كالدّهر فيه شراسة وليان أردت معناه ، فشمس علىّ حتى أمكن اللّه منه ، فصنعت : [ البسيط ] شرست بل لنت بل قانيت ذاك بذا * فأنت لا شكّ فيك السّهل والجبل ؟ « 7 » ولعمري لو سكت هذا الحاكي لنمّ هذا البيت بما كان داخل البيت « 8 » ؛ لأن الكلفة فيه ظاهرة ، والتّعمل بيّن « 9 » . - على أن مثل حكاية أبى تمام ، وأشدّ منها ، قد وقعت لمن لا يتهم ، وهو جرير ، صنع الفرزدق شعرا يقول فيه « 10 » : [ الطويل ] فإنّى أنا الموت الّذى هو ذاهب * بنفسك فانظر كيف أنت محاوله ؟ « 11 » وحلف بالطلاق أن جريرا لا يغلبه فيه ، فكان جرير يتمرّغ في الرمضاء ، ويقول : أنا أبو حزرة ، حتى قال في أبيات له مشهورة « 12 » :

--> ( 1 ) في ف والمطبوعتين فقط : « بلغ بك » . ( 2 ) في ف والمطبوعتين : « ومكث . . . » . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « فقال » . ( 4 ) في ف : « الآن الآن أردت » وفي خ : « الآن أردت . . . » ، وفي م : « الآن وردت » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 5 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « أتدري ما كنت فيه مذ الآن » . ( 6 ) ديوان أبى نواس 406 ، والمذكور عجز بيت صدره : « حذر امرئ قصرت يداه على العدا » . ( 7 ) ديوان أبى تمام 3 / 11 الشراسة : ضد اللين . وقانيت : خلطت . ( 8 ) كلمة البيت الأولى يقصد بها بيت الشعر ، وكلمة البيت الأخرى يقصد بها المنزل . ( 9 ) انظر ما قيل عن البيتين في العقد الفريد 5 / 393 ( 10 ) ديوان الفرزدق 2 / 738 ، وانظر الحكاية في زهر الآداب 2 / 856 ، والأغانى 21 / 355 ( 11 ) في ص وف : « فقلت أنا الموت . . . » . ( 12 ) قوله : « في أبيات له مشهورة » ساقط من المطبوعتين فقط ، وفي ف : « من أبيات . . . » .